خالد عبد الرحمن العك

12

تسهيل الوصول إلى معرفة أسباب النزول

أحدهما : أن علم المعاني والبيان الذي يعرف به إعجاز نظم القرآن ، فضلا عن معرفة مقاصد كلام العرب ؛ إنما مداره على معرفة مقتضيات الأحوال : حال الخطاب من جهة نفس الخطاب ، أو المخاطب أو المخاطب ، أو الجميع ، إذ الكلام الواحد يختلف فهمه بحسب حالين ، وبحسب مخاطبين ، وبحسب غير ذلك ، كالاستفهام : لفظه واحد ويدخله معان أخرى من تقرير وتوبيخ وغير ذلك ، وكالأمر يدخله معنى الإباحة والتهديد والتعجيز وأشباهها . ولا يدل على معناها المراد إلا الأمور الخارجة ، وعمدتها مقتضيات الأصول ، وليس كل حال ينقل ولا كل قرينة تقترن بنفس الكلام المنقول ، وإذا فات نقل بعض القرائن الدالة ، فات فهم الكلام جملة ، أو فهم شيء منه ، ومعرفة الأسباب رافعة لكل مشكل في هذا النمط ، فهي من المهمات في فهم الكتاب بلا بدّ ، ومعنى معرفة السبب : هو معرفة مقتضى الحال . ثانيهما : إنّ الجهل بأسباب النزول موقع في الشبه والإشكالات ، ومورد للنصوص الظاهرة مورد الإجمال ، حتى يقع الخلاف ، وذلك مظنة وقوع النزاع . ويوضح هذا المعنى ما روى أبو عبيد عن إبراهيم التيمي ، قال : « خلا عمر ذات يوم ، فجعل يحدث نفسه : كيف تختلف هذه الأمة ونبيّها واحد وقبلتها واحدة ؟ فقال ابن عباس : يا أمير المؤمنين ! إنّا أنزل علينا القرآن فقرأناه ، وعلمنا فيم نزل ، وإنه سيكون بعدنا أقوام يقرءون القرآن ولا يدرون فيم نزل ، فيكون لهم فيه رأي ، فإذا كان لهم فيه رأي اختلفوا فإذا اختلفوا اقتتلوا . قال : فزجره عمر وانتهره ، فانصرف ابن عباس ، ونظر عمر فيما قال ، فعرفه ، فأرسل إليه ، فقال : أعد عليّ ما قلت ! فأعاد عليه ، فعرف عمر قوله وأعجبه . وما قاله صحيح في الاعتبار ، ويتبيّن بما هو أقرب ؛ فقد روى ابن وهب عن بكير : أن سأله نافع : كيف كان رأي ابن عمر في « الحرورية » ؟ « 1 » قال : يراهم شرار خلق اللّه ، إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين . فهذا . . معنى الرأي الذي نبه ابن عباس عليه ، وهو الناشئ عن الجهل بالمعنى الذي نزل فيه القرآن .

--> ( 1 ) الحرورية : هم من الخوارج الذين خرجوا على سيدنا علي ، فكفروا المسلمين واستحلوا دماءهم وأعراضهم وأموالهم ، فقاتلهم سيدنا علي قتالا عنيفا ، نزلوا بحروراء ، وهو موضع بنواحي الكوفة ، فقيل لهم « الحرورية » وكان عددهم ثمانية آلاف ، كانوا يبالغون بالعبادات ، ويستهينون بتكفير المسلمين ، وقد افترق الخوارج إلى فرق شتى ، بلغت عشرين فرقة ، وكل فرقة تكفر غيرها . انظر الفرق بين الفرق للبغدادي ، والملل والنحل للشهرستاني .